languageFrançais

الوقاية...خط الدفاع الأول لحماية القصّر من الاستغلال الجنسي الرقمي

• تطوير التشريعات والدعم النفسي ضروريان

This browser does not support the video element.

تغيّرٌ مفاجئ في سلوك طفل يبلغ من العمر 12 سنة، كان بمثابة إنذار لقريبته لتساورها الشكوك بشأن ما يواجهه، خاصّة في ظلّ عدم اقتناعها بالتبريرات التي قدّمها، قبل أن يزيد تعليق على صورة له شاركتها على منصّة فيسبوك في تأكيد شكوكها حول إمكانية تعرّضه لابتزاز جنسي.. ففي أفريل من عام 2024، تفجّرت قضية استغلال جنسي للأطفال عبر شبكات التواصل الاجتماعي أثارت الرأي العام في تونس، وأعادت الجدل حول استخدام القصّر لمنصّات التواصل الاجتماعي وما يمثّله ذلك من تهديد لهذه الفئة الهشّة، في غياب الرقابة الفعّالة لحمايتهم من مخاطر العنف في الفضاء الرقمي.

• تقرير: شكري اللّجمي

هذه القضية ليست حالة معزولة، إذ تتواتر بين الفينة والأخرى أخبار حالات انتهاك ذات طابع جنسي تستهدف القصّر، وتتمّ خاصّة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، في ظلّ سهولة الوصول إلى هذه المواقع.

لكنّ التناول الإعلامي لمثل هذه القضايا، والذي يركّز في جانب كبير منه على الإثارة، يخفت بمرور الأيام، لتصبح مثل هذه الملفات مجرّد أخبار تتناولها المواقع والشبكات الإخبارية ضمن أخبار المجتمع والحوادث، دون إلقاء الضوء على هذه الظاهرة بعمق أو طرح نقاش يحفّز على ضرورة إيجاد الحلول لمواجهتها.

حضور قوي للقصّر على شبكة الإنترنت يتطلّب اليقظة

تشير الإحصائيات إلى أنّ ثلث مستخدمي الإنترنت في تونس هم من الأطفال، وفقًا لدراسة نُشرت نتائجها في مارس من سنة 2023، وهو مؤشّر على حجم التحدّيات المناطة بعهدة السلطات والأسر لحماية الأطفال من المخاطر التي تتهدّدهم في الفضاء السيبرني.

ويصل معدّل زمن إبحار الأطفال على شبكة الإنترنت يوميًا إلى أربع ساعات، حسب مرصد حقوق الطفل التابع لوزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن، ويشمل هذا المعدّل حوالي 90 بالمائة من الأطفال الذين يستخدمون الإنترنت في تونس.

 

تُبيّن هذه الإحصائيات مدى شيوع استخدام الأطفال لوسائل التواصل التكنولوجية الحديثة، وتضع السلطات والأسر والمجتمع عموما أمام تحدّيات كبيرة لحماية هذه الفئة، في ظلّ التطوّرات التكنولوجية المتسارعة وبروز طرق إجرامية جديدة تعتمد على التكنولوجيا للوصول إلى الضحايا.

وهنا تؤكّد الأرقام مرّة أخرى حجم التهديد الذي يمثّله الفضاء السيبرني على الأطفال، خاصّة في ما يتعلّق بالجرائم الجنسية، إذ أنّ 90 بالمائة من الإشعارات الواردة على مكاتب مندوبي حماية الطفولة في علاقة بالعنف الرقمي ضدّ الأطفال تتعلّق بالاستغلال الجنسي.

الاستغلال الجنسي للأطفال الميسّر بالتكنولوجيا يتّخذ أشكالا متعددة

يشمل الاستغلال الجنسي الميسّر بالتكنولوجيا كلّ أشكال توظيف التكنولوجيا الرقمية لأغراض جنسية موجّهة ضدّ الأطفال، حيث يتّخذ هذا الاستغلال أشكالا متعدّدة، أبرزها الاستدراج الإلكتروني الذي يقوم على بناء علاقة ثقة مع الطفل تمهيدا لاستغلاله جنسيا، والابتزاز الجنسي عبر تهديد الضحية بنشر صورها أو مقاطعها الخاصة لإجبارها على الخضوع، إضافة إلى إنتاج أو تداول المحتوى الإباحي للأطفال أو بثّ الاعتداءات عليهم مباشرة عبر شبكة الإنترنت.

كما يندرج التحرّش والتنمّر الإلكترونيضمن هذه الممارسات، من خلال توجيه إهانات أو تعليقات ذات طابع جنسي، بما يخلّف آثارا نفسية واجتماعية خطيرة على الضحايا.

تودّد واستدراج فابتزاز...

وتكاد تتشابه ملابسات هذه الجرائم التي تنطلق باستدراج القصّر عبر حسابات وهمية، وتنتهي بابتزاز الضحايا بعد الحصول على مواد ذات طابع جنسي (صور أو فيديوهات) تمّ الحصول عليها عبر التهديد أو الخداع.

استعرض تقرير حول "التقييم المؤسساتي لوقاية الأطفال وحمايتهم من العنف في الفضاء الرقمي"، أعدّته وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن بالتعاون مع منظّمة اليونيسيف (مكتب تونس)، شهادات بعض الأطفال الذين تعرّضوا للابتزاز الجنسي عبر الإنترنت، إضافة إلى شهادات عدد من الأولياء.

وجاء في شهادات الأطفال المشاركين في مجموعات النقاش التي تمّ تنظيمها لإنجاز الدراسة أنّهم تعرّضوا أو اطّلعوا بشكل مباشر على حالات ابتزاز جنسي، غالبا بعد تواصل أولي بدا "عاديًا" أو "وديا" عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
ويبدأ سيناريو الابتزاز عادة بإقامة علاقة افتراضية مع شخص مجهول أو حساب وهمي، يتطوّر لاحقا إلى طلب صور أو مقاطع خاصة، يتمّ الحصول عليها عبرالخداع أو الاختراق.

وأبرزت الشهادات أنّ الفتيات أكثر عرضة للابتزاز الجنسي، حيث أكدن أنّ التهديد بنشر الصور يمسّ مباشرة "السمعة" و"الشرف"، وهو ما يمنح المبتزّين سلطة نفسية أكبر.

في المقابل، أشار بعض الفتيان إلى تعرّضهم للابتزاز أيضًا، لكنّهم يميلون أكثر إلى التقليل من خطورته أو التعامل معه بشكل فردي دون طلب مساعدة، ما يفاقم الضرر النفسي في بعض الحالات.

وإذا كانت بعض القضايا تجد طريقها إلى القضاء، فإنّ العديد منها لا يتمّ الإبلاغ عنها أو الإشعار بها، ولا تخرج للعلن إلّا بعد تفاقمها، ويصل الأمر في بعض الأحيان إلى نهايات مأساوية، من بينها الانتحار، إضافة إلى الآثار النفسية التي تخلّفها لدى الضحايا.

تشير الدراسة إلى أنّ الخوف من الوصم الاجتماعي ومن "الفضيحة" يدفع بعض العائلات إلى التعامل مع الابتزاز في الخفاء أو الامتناع عن اللجوء إلى الجهات الرسمية، وهو ما يعزّز إفلات الجناة من المحاسبة.

وقد دفع الخوف والابتزاز باستخدام صور إباحية سيّدة إلى الرضوخ لتهديدات رجل بـ"فضحها"، وإجبار ابنتها القاصر على التقاط صور في أوضاع جنسية مهينة لإرسالها إليه، وفق ما جاء في أوراق قضيّة مرفوعة أمام إحدى المحاكم التونسية.

نصوص قانونية مبعثرة ينقصها الانسجام والفاعلية

يتضمّن القانون التونسي العديد من النصوص التشريعية التي تتعرّض لقضية العنف ضدّ الأطفال على الانترنت بطريقــة مباشرة أو غير مباشر. لكن لا يوجد نصّ قانوني يتعامل مع القضية بشكل شامل ومباشر يربط بصفة واضحة بين القصّر والعنف الذي يتعرّضون إليه عبر الانترنت.

وتظلّ الأحكام المتعلّقة بالعنف ضدّ الأطفال على الانترنت مبعثرة في عدّة نصوص قانونية مما يجعلها محدودة من حيث الفعالية والانسجام.

وتعتمد الملاحقات القضائية في جرائم العنف الرقمي ضد الأطفال أساسا على المجلة الجزائية، لا سيما الفصول المتعلقة بالاعتداء الجنسي، ونشر الصور أو المقاطع المخلة بالحياء، وبثّ محتوى يتضمّن اعتداءات جسدية أو جنسية. 

لكن الإشكال يكمن في أنّ هذه النصوص وُضعت في سياق تقليدي، قبل انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ما يجعل تطبيقها على الجرائم السبرانية رهين اجتهاد القضاة وفقه القضاء، بدل الاستناد إلى نصوص واضحة ودقيقة.
ولذلك فإنّ غياب قانون خاص بالعنف السيبراني ضد الأطفال يحدّ من نجاعة التدخلات، ويخلق فراغا تشريعيا، خاصة في الجرائم المستحدثة مثل الابتزاز الجنسي الرقمي وتعقّد أساليب استهداف الأطفال.  

دعم نفسي منقوص أو غير ومتوفّر..ومخاوف من الوصم

تُبرز المعطيات المتأتية من مجموعات النقاش المركّزة التي ضمّت 113 طفلا تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاما (بين إناث وذكور)، حاجةً ملحّة لدى الأطفال، وبصفة مستمرة، إلى الحصول على الدعم النفسي، خاصة أولئك الذين تعرّضوا للعنف والابتزاز عبر الإنترنت. 

غير أنّ هذه المعطيات كشفت في المقابل عن وجود فجوة واضحة في توفير هذا النوع من الدعم للأطفال وضحايا العنف بوجه عام.

وفي هذا السياق، أشارت الطبيبة النفسية للأطفال الدكتورة فاطمة الشرفي إلى وجود عدد كبير من الفتيات اللواتي تراودهن أفكار انتحارية نتيجة تعرّضهن للابتزاز الجنسي، وهو ما يعكس خطورة الآثار النفسية المترتبة عن هذه الجرائم وغياب الإحاطة النفسية الكافية.

وإلى جانب التأثيرات النفسية المباشرة، يبرز الخوف من الإبلاغ كعامل إضافي يفاقم معاناة الضحايا. 

أبلغت المشاركات في حلقات النقاش، نقصا واضحا في المعرفة حول أماكن وكيفية الحصول على المساعدة، إضافة إلى جهل بالحقوق القانونية في مثل هذه الحالات. 

وتنسجم هذه النتائج مع ما كشفه استطلاع Report-U (اليونيسيف) لسنة 2020، الذي بيّن أنّ طفلا واحدا فقط من كل خمسة يعرف إلى أين يتوجّه لطلب المساعدة عند الحاجة. وعندما أُبلغ الأطفال بإمكانية التقدّم بشكاوى رسمية، عبّر جميعهم عن رفضهم الإبلاغ خوفا من تحميلهم المسؤولية من قبل عائلاتهم أو من قبل الشرطة.

تروي إحدى الضحايا، التي لجأت إلى إخبار أمّها بما حدث معها، أنّ والدتها ما تزال تلومها إلى اليوم، ما أثّر سلباً في علاقتهما. 

كما يسود تصوّر عام مفاده أنّ أجهزة الأمن غير متفهمة أو غير داعمة في مثل هذه القضايا، حيث ترى بعض الفتيات أنّ التوجّه إلى مراكز الشرطة قد يفضي إلى لوم الضحية على التقاط صور خاصة من الأساس، بدل حمايتها.

ولا تقتصر آثار هذا الخوف من الإبلاغ على إفلات الجناة من المحاسبة، بل تمتد لتُلحق أضرارا إضافية بالصحة النفسية للضحايا (خاصة الفتيات)، إذ تؤكد المشاركات أنّ الأعراف الاجتماعية ذات الطابع الأبوي تُسهم في وصم الضحايا وتحميلهن المسؤولية، خاصة عندما يتعلّق الابتزاز بالصور أو مقاطع الفيديو ذات الطابع الحميمي.

الوقاية خير من العلاج... ودور محوري للعائلة

وإن كانت الحماية القانونية والنفسية والاجتماعية من الجوانب الأساسية التي يتعيّن على الدولة وهياكلها المختلفة، توفيرها للقصّر من ضحايا العنف الجنسي الميسّر بالتكنولوجيا، إلاّ أنّ الوقاية تبقى خير سبيل لحماية الأطفال من المخاطر التي تواجههم في الفضاء السيبراني، وتمثّل العائلة الحلقة الرئيسية فيها.

يؤكد محمد علي بن مبروك، مدير إدارة الاستجابة للطوارئ المعلوماتية بالوكالة الوطنية للسلامة السيبرنية (ANCS) على أنّ الطفل لا يُفترض أن يمتلك هاتفا خاصا في سن مبكرة، إلا أنّه في حال توفّر الهاتف خاصة المرتبط بشبكة الانترنت، يتعيّن التنبّه إلى الأخطار المحتملة التيقد تواجهه على غرار الاستدراج والابتزاز الإلكتروني، والتنمر، والقرصنة، وسرقة المعطيات الشخصية.

ويوصي في هذا الخصوص بالمراقبة الأبوية (Parental Control) كوسيلة وقائية أساسية، مشيرا في هذا السياق إلى جملة من الحلول التقنية، حيث يمكن تثبيت تطبيقات خاصة على هاتف الطفل أو على هاتف الولي لمتابعة استعماله والتي تتيح له معرفة التطبيقات المثبّتة، والمواقع التي يتم الولوج إليها، ومدة الاستعمال اليومي.

وتتوفّر هذه التطبيقات بنسخ مجانية وأخرى مدفوعة عبر متاجر مثل “غوغل ستور” و“آبل ستور”، وتُعدّ النسخ المدفوعة غالبا أكثر فاعلية وشمولا.

كما أشار إلى احتواء بعض الهواتف الذكية على خصائص مدمجة مثل "Kids Space" (فضاء الأطفال)، التي تتيح ضبط خيارات الاستعمال، كتحديد مدة زمنية يومية لاستخدام الهاتف الذكي، وحصر التطبيقات أو الألعاب المسموح بها. 
ويشرح أنّ هذه الخاصية تحمي الطفل من الإعلانات، التي قد تدفعه إلى تحميل تطبيقات غير آمنة أو تتيح الوصول إلى معطيات حساسة مثل أرقام الهواتف أو سجلّ التصفّح أو الكلمات المفتاحية المحفوظة.

ومع ذلك، يؤكّد بن مبروك أنّ إعدادات الخصوصية والحلول التقنية تبقى غير كافية لوحدها للحماية من المخاطر والهجمات السيبرانية.

ويشدّد على أنّ التواصل المستمر مع الطفل وتوعيته بالمخاطر المحتملة يظلّ العنصر الأهم، إلى جانب بناء علاقة قائمة على الثقة، حتى لا يُخفي الطفل عن والديه أي موقف مزعج أو طلب مشبوه لتقديم معطيات شخصية.

ومن الضروري توعية الأطفال بعدم مشاركة معلوماتهم الخاصة، مثل الاسم الكامل، وعنوان المنزل، واسم المدرسة، ورقم الهاتف، وكلمات العبور، أو أي معطيات حساسة أخرى. 

كما يجب تنبيههم إلى خطورة مشاركة صورهم أو الدخول في دردشات مع الغرباء، خاصة أنّ بعض الأطراف قد تطلب منهم معطيات خطيرة كالهويات البنكية للأبوين، أو تستغل الصور لفبركتها في سياقات جنسية أو لانتحال الشخصية.

وفي ما يتعلّق بالحسابات الوهمية، يوضّح بن مبروك أن التمييز بينها وبين الحسابات الحقيقية ليس بالأمر السهل دائما خاصة بالنسبة للأطفال، وغالبا ما يتم ذلك من خلال التنبه إلى سلوك مشبوه أو محتوى غير طبيعي.

ويرى بأنّ مهمة رصد الحسابات المزيفة تقع بدرجة أولى على عاتق منصّات التواصل الاجتماعي مثل "ميتا" أو "تيكتوك"، التي تعتمد على الخوارزميات للتمييز بين الحسابات الحقيقية والوهمية وتطلب أحيانا إثباتات للهوية.

التواصل والحوار مع الطفل

كما يُستحسن مرافقة الطفل أحيانا أثناء اللعب أو التصفّح لفهم المحتوى الذي يميل إليه، والتنبه إلى العمر المخصّص للألعاب. 

ويوضّح بن مبروك أنّه من الضروري الحرص على أن يستعمل الطفل شبكة الانترنت في فضاءات مفتوحة بشكل يسمح للأولياء مراقبة أبنائهم، مع ضرورة أن تكون المراقبة "ذكية"، مصحوبة بحوار غير عنيف كسبيل أمثل لبناء الثقة، إذ لا يوجد حل تقني يضمن حماية كاملة، ويبقى الوعي والتواصل المستمر حجر الأساس لحماية الأطفال في العالم الرقمي.

آليات الإشعار عن الانتهاكات 

تمثّل مؤسسة "مندوب حماية الطفولة" التابعة لوزارة المرأة والطفولة وشؤون الأسرة، حلقة هامة للإبلاغ عن الانتهاكات التي تستهدف القصّر عموما بما فيها حالات الانتهاك الجنسي الميسّر بالتكنولوجيا.  وهو هيكل تدخـل وقائي فــي جميع الحالات التي تهدد صحة الطفل أو سـلامته الجسدية.

ويوجد 24 مندوبا لحماية الطفولة بواقع مندوب عن كلّ ولاية.

وتتيح السلطات الإبلاغ عن الانتهاكات التي تستهدف الطفولة عموما والموجّهة إلى مندوبي حماية الطفولة، عبر الرقم الأخضر المجاني 192.

كما توفّر خدمة الانصات والإحاطة النفسية والتوجيه وتلقي الإشعارات عبر الرقم الأخضر المجاني 1809.

وتوفّر السلطات أيضا إمكانية الإبلاغ عبر بوابة حماية الطفولة على العنوان www.dpe.tn، وكذلك بوابة الكترونية لتلقي الإشعارات حول الاستغلال الجنسي المسلّط على الأطفال على الانترنت report.iwf.org.uk/tn.